محمد داوود قيصري رومي

118

شرح فصوص الحكم

الروح الأعظم الانساني ، سواء كان روحا فلكيا أو عنصريا أو حيوانيا ، وصورها صور تلك الحقيقة ولوازمها ، لذلك يسمى عالم المفصل بالانسان الكبير عند أهل الله لظهور الحقيقة الانسانية ولوازمها فيه ، ولهذا الاشتمال وظهور الاسرار الإلهية كلها فيها دون غيرها استحقت الخلافة ( 2 ) من بين الحقايق كلها . ولله در القائل : شعر سبحان من أظهر ناسوته ( 3 ) سر سنا لاهوته الثاقب ( 4 ) ثم بدا في خلقه ظاهرا في صورة الآكل والشارب فأول ظهورها في صورة العقل الأول الذي هو صورة اجمالية للمرتبة العمائية المشار إليها في الحديث الصحيح عند سؤال الأعرابي : ( أين كان ربنا قبل ان يخلق الخلق ؟ قال عليه السلام ، كان في عماء ( 5 ) ما فوقه هواء ولا تحته هواء ) . لذلك قال عليه السلام : ( أول ما خلق الله نوري ) وأراد العقل كما أيده بقوله : ( أول ما خلق الله العقل ) . ثم في صورة باقي العقول والنفوس الناطقة الفلكية وغيرها وفي صورة الطبيعة والهيولي الكلية والصورة الجسمية البسيطة والمركبة بأجمعها . ويؤيد ما ذكرنا قول أمير المؤمنين ولى الله في الأرضين قطب الموحدين علي بن أبى طالب ، كرم الله وجهه ، في خطبة كان يخطبها للناس : ( انا نقطة باء بسم الله انا جنب الله الذي فرطتم فيه ( 6 ) وانا القلم وانا اللوح المحفوظ وانا العرش وانا الكرسي وانا السماوات السبع والأرضون ) . إلى أن صحافي أثناء الخطبة وارتفع عنه حكم تجلى الوحدة ورجع إلى عالم البشرية وتجلى له الحق بحكم الكثرة ، فشرع معتذرا فاقر بعبوديته وضعفه وانقهاره تحت احكام الأسماء الإلهية ولذلك قيل ، الانسان الكامل لا بد ان يسرى في جميع الموجودات كسريان الحق فيها وذلك في السفر الثالث الذي من الحق إلى الخلق بالحق ، وعند هذا السفر يتم كماله وبه يحصل له حق اليقين . ومن هيهنا يتبين ان الآخرية هي عين الأولية ويظهر سر ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم ) . قال

--> ( 2 ) - قال الشارح في شرحه لقصيدة ابن فارض : والكل خلفاء منه والخليفة لا بد ان يكون موصوفا بجميع الصفات الا الوجوب الذاتي . ( 3 ) - الناسوت ، الطبيعة الانسانية وهو الناس . زيد في آخره ( واو ) و ( تاء ) كملكوت وهو لغة سريانية . ( 4 ) - أي ، في هذه الطبيعة الناسوتية سر أضاء لاهوته الثاقب النافذ لان اللاهوت نافذ أو مفيض النور على الناسوت . ( 5 ) - العماء قد يطلق ويراد به المرتبة الأحدية ، وقد يطلق ويراد به الواحدية لان العماء هو الغيم الرقيق الحايل بين السماء والأرض ، وهذا المرتبة الأسماء والصفات الواقعة بين سماء الأحدية الصرفة وارض الكثرة الإمكانية ولذا يطلق عليها البرزخية الكبرى . وهذا أولى وأطبق بالحديث المذكور ، إذ هذه مرتبة الربوبية فان كل ممكن تحت تربية اسم من الأسماء الإلهية وهي أرباب الأنواع . 12 ( 6 ) - فيه إشارة إلى الآية الشريفة : ( يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ) . أي ، بترك السعي في طلب الكمال والتقصير في الطاعة حين كنت في جوار الله قريبا منه لصفاء استعدادي وتمكني من السلوك فيه بوجود الآلات البدنية المعدة له . ( من تفسير الشيخ ) .